اسماعيل بن محمد القونوي
409
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
ليس بمسلم لما ذكرنا من وجه صحة الحمل على آيات القرآن ثم الفرق بين الجوابين أن معنى الأول أن الهداية الدلالة مطلقا كما اختاره المصنف وهي عامة للمكلفين فذكر في وجه التخصيص أن المتقين لكونهم « 1 » منتفعين به ومهتدين بهدايته خصوا بالذكر كتخصيص الانذار بمن يخشيها مع أنه عام لكل وحاصل المعنى الثاني أن المراد بالهداية مطلق الدلالة أيضا والمراد بالمتقين الموصوفون بالتقوى « 2 » حقيقة بالمرتبة الأولى إذ التأمل في الكتاب لا يكون إلا بعد الإيمان به وما فيه إجمالا وهذا ظاهر من تقريره حيث قال أو لأنه لا ينتفع بالتأمل فيه أي فالوجه الأول بالنسبة إلى المشارفين للتقوى بالمرتبة الأولى والوجه الثاني بالنسبة إلى الموصوفين بالمرتبة الأولى منها والهداية في كلا الوجهين بمعنى الدلالة وحقيقة فيهما ومن فسر الهداية بالدلالة الموصلة فلا يتوجه عليه الإشكال لأن إيصال الكتاب إلى البغية ليس إلا للمتقين ولا يخفى ما فيه ثم إن الكتاب هاد في جميع المعتقدات بحسب الاعتداد وإن لم يكن هاديا بالنظر إلى ذاته كمعرفة اللّه تعالى وبعض صفاته مما يتوقف ثبوت الشرع عليه وهاد إلى جميع الأحكام العملية عن آخرها . قوله : ( لأنه ) أي الكتاب لكونه مشتملا على أنواع المعارف الإلهية وسائر العلوم الاعتقادية والعملية التي هي الغذاء للروح كالغذاء للجسمانية وبهذا ظهر وجه حسن تشبيهه بالغذاء دون الدواء إذ الدواء ليس بغذاء كله فلا مناسبة بينهما الصالح لحفظ الصحة أي الصحة البدنية بحسب جري العادة بطريق السببية فإنه كما كان قوامه بالغذاء كذلك قوام الأرواح بالعلم المأخوذ من الكتاب لكن كون الغذاء سببا صالحا لحفظ الصحة ليس مطلقا بل إذا لم يكن في البدن انحراف عن الاعتدال فإن وجد ذلك الانحراف يضره ذلك الغذاء كما أشار إليه بقوله فإنه لا يجلب وهذا محسوس معروف وكذلك الغذاء الروحاني لا يجلب نفعا ما لم يكن النفس صحيحة سالمة عن العلل والأمراض النفسانية فإذا كانت النفس مؤوفة بأوساخ الكفر مصرة عليها معرضة عن الأنظار الصحيحة يزداد ذلك الغذاء الكامل التام داء وخسرانا لفساد المحن كما أن الأطعمة النفسية النافعة تضر البدن ضال مصير امره إلى التقوى فكان المناسب أن يقال هدى للضالين فهلا قيل كذا فمحصل الجواب أنه لو قيل هدى للضالين لا وهم أنه هدى لجميع الضالين بفريقهم وليس كذلك بل هو هدى للفريق الثاني فلئلا يوهم الكلام خلاف المقصود قيل هدى للمتقين على الاختصار الوارد على الطريقة المذكورة في الوجه الثاني من وجهي جواب السؤال الأول وهو أن يسمى المشارف للشيء باسم ذلك الشيء وعلى كل من الجوابين يكون لفظ المتقين مجازا إما باعتبار زيادة أو باعتبار ما يؤول إليه .
--> ( 1 ) والحاصل أن تخصيصه باعتبار ثمرتها وأما بالنظر إلى نفسها فقام فلا إشكال . ( 2 ) وعكس بعضهم فقال في الوجه الأول ومبنى هذا الوجه أن المراد بالمتقين الموصوفون بالتقوى وفي الوجه الثاني ومبنى هذا الوجه تفسير المتقين بالمشارفين على التقوى انتهى ولا يخفى ضعفه .